محمد حسين الذهبي
454
التفسير والمفسرون
وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا ، ولو سلط إبليس على الناس بنخسهم لامتلأت الدنيا صراخا وعياطا مما يبلونا به من نخسه ) « 1 » اه . وبالضرورة لم يرتض ابن المنير هذا الصنيع من خصمه المعتزلي ، فنراه يتورك عليه بقوله : أما الحديث فمذكور في الصحاح متفق على صحته ، فلا محيص له إذا عن تعطيل كلامه عليه السلام بتحميله ما لا يحتمله ، جنوحا إلى اعتزال منتزع ، في فلسفة منتزعة ، في إلحاد . ظلمات بعضها فوق بعض . وقد قدمت عند قوله تعالى « لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ » « 2 » ما فيه كفاية . وما أرى الشيطان إلا طعن في خواصر القدرية حتى بقرها ، وذكر في قلوبهم حتى حمل الزمخشري وأمثاله أن يقول في كتاب اللّه تعالى وكلام رسوله عليه السلام بما يتخيل ، كما قال في هذا الحديث . ثم تنظيره بتخييل ابن الرومي في شعره جرأة وسوء أدب . ولو كان معنى ما قاله صحيحا لكانت هذه العبارة واجبا أن تجتنب . ولو كان الصراخ غير واقع من المولود لأمكن على بعد أن يكون تمثيلا ، أما وهو واقع مشاهد فلا وجه لحمله على التخييل إلا الاعتقاد الضئيل ، وارتكاب الهوى الوبيل ا ه « 3 » . مبدأ الزمخشري في التفسير عندما يصادم النص القرآني مذهبه : والمبدأ الذي يسير عليه الزمخشري في تفسيره ويعتمد عليه عندما تصادمه آية تخالف مذهبه وعقيدته ، هو حمل الآيات المتشابهة على الآيات المحكمة ، وهذا المبدأ قد وجده الزمخشري في قوله تعالى في الآية ( 7 ) من سورة آل عمران « هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ »
--> ( 1 ) الكشاف ج 1 ص 302 و 303 ( 2 ) في الآية ( 275 ) من سورة البقرة . ( 3 ) هامش الكشاف ج 1 ص 312